الخميس، 10 أكتوبر 2019

77 ، بانوراما المصلحة : يناير 2017 - دجنبر 2017


بانوراما دور محكمة النقض الفرنسية في تقديم المصلحة على النص : 

يناير 2017 - دجنبر 2017



انتبه الفقه الفرنسي، بإيعاز من الفقه الألماني، إلى أن المصلحة مصدر من مصادر التشريع، حقيقة قررها عالم مسلم مظلوم اسمه نجم الدين الطوفي من مئات السنين، في رسالته عن المصلحة، وكونها مقدمة على النص في حالة التعارض، وكيف تم طمس معالم هذا الرجل من قبل الفقه الظلامي، وأراد ان يطفئ نوره، لكنه سبحانه متم نوره ولو كره الكارهون.

إن الغاية من التشريع هي تحصيل مصالح الناس، من تم القانون لا يعدو ان يكون وسيلة، وان المصلحة هي الغاية، وعليه اذا تعارضت الوسيلة مع الغاية فان التقديم يكون للغاية وليس الوسيلة، غير ان محكمة النقض الفرنسية تتمادى في تطبيق هاته القاعدة، حيث تقدم مصالح لا تتوفر فيها شروط المصلحة الراجحة، كما هو الحال في مثال تقديم مصلحة الشواذ (قرار محكمة النقض الفرنسية، بتاريخ 28 يناير 2015)، والضرب عرض الحائط بنصوص واتفاقيات صريحة بكون الأجنبي يخضع لقانون بلده (1)، يجب ان تكون فرنسا واضحة، وتقولها علنا: المصلحة مصدر من مصادر التشريع، بل في التراتبية تأتي حتى قبل النص، اذا تعارضا فإن الأولوية تكون للمصلحة، الأمر الذي لا تعترف به فرنسا، لكن واقع اجتهاد قضائها يكذب الخطابات الرسمية.

ليست النصوص والقوانين الداخلية غاية في ذاتها، انما هي وسائل لتحقيق مصالح معينة، المصلحة هي الغاية، إذا اقتضت المصلحة غير ما تقضيه النصوص، وقصرت هاته الأخيرة عن تحقيق المصلحة، ليس هناك اي مشكل في تعديلها، ليست قرآنا منزلا من عند الله، بل حتى نصوص القرآن تستثنى في التطبيق في بعض الحالات الاستثنائية. كما قضى بذلك الخلفاء الراشدون في اجتهاداتهم المعلومة.


أولا: تقديم مصلحة المتعاقد في فسخ العقد بإرادة منفردة على نصوص القانون المدني التي توجب الفسخ القضائي

قرار محكمة النقض الفرنسية، الغرفة التجارية، بتاريخ 8 نونبر 2017، 


بموجب قرارين بتاريخ 8 نونبر 2017، رقم 16، 22289، رفضت محكمة النقض تعويض المتعاقد المتضرر من فسخ بإرادة منفردة، بحجة أنه قام بخطأ جسيم يسمح للمتعاقد معه ان يفسخ العقد بإرادة منفردة وبدون اخطار الطرف الأخر.


يعتبر هذا الاجتهاد القضائي ثورة في ميدان التعاقد، باعتبار ان القانون المدني الفرنسي لا يقبل بفسخ العقد بإرادة منفردة، بل بإرادتين (المادة 1134 قديما، ، (ويُستهزأ من الطلاق بإرادة منفردة الذي كان معروفا في الديار المسلمة، وحق لهم ذلك) او باللجوء إلى القاضي (المادة 1184 من القانون المدني قبل تعديل 2016)، هذا القرار وقبله قرارات سابقة (اولها كان في 13 اكتوبر 1998، المعروف ب " Tocqueville"، والذي ارخ اول مرة لهذا الاجتهاد)، يؤسس لما نسميه بدور القضاء في تقديم المصلحة على النص، وأن القضاء يتدخل احيانا ليعطل مقتضيات قانونية صريحة، من باب الاستثناء الذي يؤكد القاعدة، من قبيل ما يعرف في الفقه الاسلامي بالاستحسان : استثناء جزئية من دليل كلي.

ولقد استغل المشرع الفرنسي مشروع تعديل الباب الخاص بالعقود من القانون المدني الفرنسي ليقرر هذا الاجتهاد القضائي بمقتضى نص المادة 1226 من القانون المدني الفرنسي بعد تعديل 10 فبراير 2016، والذي دخل حيز التنفيذ قبل المصادقة عليه من قبل البرلمان، يوم 1 أكتوبر 2016، ليصبح هذا الاستثناء الذي يقدر بقدره، قاعدة قانونية مقررة تطبق بشكل موسع ومخل، وليس مجرد استثناء قد يسمح به القاضي ولا يسمح حسب ظروف كل نازلة على حدة.  [1]

ثانيا: تقديم مصلحة زوجة عاقر على مقتضيات القانون المدني المبطلة لعقود كراء الأرحام

قرار محكمة النقض الفرنسية، الغرفة المدنية الأولى، بتاريخ 29 نونبر 2017، 



يتعلق الامر بزوج مغربي الأصل اسمه هشام من مواليد 10 نونبر 1977 متزوج من سيدة فرنسية اسمها دانييل من مواليد 1965، ليست لها القدرة على إنجاب الأطفال، قاما الزوجان الفرنسيان بالذهاب الى اوكرانيا وهناك اكتريا رحم سيدة اكرانية، حيث تم اخصاب بويضة سيدة اكرانية بالحيوان المنوي للسيد هشام وتم وضعها في رحم هاته السيدة التي دعتها الحاجة لكراء رحمها، وهناك تربى الجنين وتكون، وبعد ازدياده في 31 مارس 2014، تم تسجيله في الحالة المدنية لأكرانيا انه ابن السيد هشام، وزوجته السيدة دانيال. بعد ذلك عادا الزوجان الى فرنسا وطلبا تسجيل الابن في سجل الحالة المدنية الفرنسي، رفض وكيل الجمهورية بمحكمة الابتدائية لمدينة رين تسجيل الابن في سجل الحالة المدنية في اسم الزوجة، باعتبار لا يوجد شيء يُتبث انها حملت وولدت، وقد ايدت الحكم محكمة الاستئناف، الا ان محكمة النقض الفرنسية، نقضت القرار وقضت بأنه يمكن تسجيل الابن في الحالة المدنية باعتبار السيدة دانيال زوجة هشام ام للطفل المزداد بأكرانيا من ام اكرانية بتاريخ 31 مارس 2014، ضدا في مقتضيات المادة 16- 9 من القانون المدني الفرنسي التي تبطل هذا النوع من كراء الأرحام التي يلجأ اليه الفرنسيون من اجل الحصول على ابناء دون حمل او ولادة شخصية.  [2]

هذا القرار ليس الأول من نوعه بل هو يأتي بعد صدور قرار أول عن غرف محكمة النقض مجتمعة، بتاريخ 3 يوليوز 2015، عدد 15-50002، ليعطي الضوء بعد ذلك بإمكانية السماح بتسجيل الابناء المزدادون بطريقة كراء الارحام في سجل الحالة المدنية الفرنسي، إذا تمت العملية خارج التراب الفرنسي، بعلة مصلحة الطفل. ويبدو ان محاكم الموضوع رغم هذا القرار مازالت ترفض ان تنصاع لهذا القرار وترفضه جملة وتفصيلا، وها هي القرارات مازالت تصل مرة اخرى لمحكمة النقض لتبث فيها من جديد. ويبدو ان المحكمة لا تريد ان تغير رأيها. هذا القرار يؤكد مرة اخرى ان القضاء يقدم المصلحة على النص، ويعطل النصوص من اجل المصالح، عكس ما يدعيه البعض ان القضاء الفرنسي فم للقانون، وهذا مرحب به، لكن ليس الى الحد الذي يكون بمناسبة تقديم مصلحة مرجوحة، وغير متوافق عليها بل تهدم اسس كبيرة جدا مثل مؤسسة الأسرة والنسب. تقديم المصلحة على النص له ضوابط وحدود وشروط، من اهمها ان لا تكون المصلحة المراد تقديمها على النص مرجوحة، وتؤدي الى مفاسد أكبر.

ثالثا: تقديم مصلحة المالك على مصلحة لاجئين بدون سكن

قرار محكمة النقض الفرنسية، الغرفة المدنية الثالثة، بتاريخ 21 دجنبر 2017، 

وقع تعارض بين مصلحة لاجئين سوريين في السكن ومصلحة شركة عقارية في اخلاء السكان من أجل هدم العمارة واعادة بنائها: فقضت محكمة الفرنسية، بموجب قرار 21 دجنبر 2017، عدد 16-25469 ،  أن مصلحة الشركة المالكة ترجح على مصلحة من لا مأوى لهم  [3]


قرار آخر نموذجي، ليس القرار الصادر عن محكمة النقض الفرنسية، ولكن الصادر عن محكمة الاستئناف (تولوز) التي وازنت بين مصلحتين، مصلحة يسعى لتحقيقها المشرع، ومصلحة يسعى لتحقيقها الافراد، ولحسن الحظ ان هاته المصالح المشروعة للأفراد مقننة في إطار اعلان عالمي او اوروبي لحقوق الانسان، ولها محاكم يمكن ان تستند لنصوص ومواد وترجحها على النصوص الداخلية، بحيث يكون من حيث الشكل تعارض بين نصوص وليس مصالح، وفي العمق هو تعارض بين مصالح تم بلورتها في شكل نصوص.
يتعلق الامر في هاته القضية بشركة للمباني تريد ان تهدم سكنا يأوي لاجئين سوريين، وتعيد بناؤه لتشييد بناية سكن اقتصادي، قررت محكمة الاستئناف في قرار نوعي، ان الشركة لا يحق لها اخلاء المبنى من سكانه (المحتلين لملك الغير) لما قد يعرض حياتهم للخطر، التعارض هنا بين حق الملكية، وحقوق الانسان كما تنص عليها المادة 8 من اتفاقية حماية حقوق الانسان والحريات الاساسية، ولقد قدمت المحكمة مصلحة وحقوق الانسان (اللاجئ السوري) على نصوص القانون المدني المتعلقة بحق الملكية. الا ان الغرفة المدنية الثالثة (غرفة مختصة في العقار) لمحكمة النقض الفرنسية تدخلت لنقض هذا القرار بتاريخ 21 دجنبر 2017، على اساس ان احتلال ملك الغير يشكل اضطراب غير مشروع، وبالتالي تكون المحكمة قد خرقت المادة 849 من قانون المسطرة المدنية التي تعطي لرئيس المحكمة ان يتدخل بشكل استعجالي لمنع مثل هذا الاضطراب.
فالتعارض كان بين نصوص ومصلحة، محكمة الاستئناف رأت تقديم المصلحة على النص، باعتبار انها ترجح على المصلحة التي يسعى المشرع لتحقيقها من خلال النص، اما محكمة النقض فرأت العكس، بانه لا شيء هناك يبرر تقديم مصلحة وحقوق الافراد على النصوص، التي تبقى دائما راجحة في هاته الحالة.
يذكرني هذا القرار بقرار آخر مشابه صادر عن المجلس البلدي لأحد المدن الفرنسية والقاضي بمنع أحد الرهبان من تسليم بناية للمهاجرين واللاجئين بدون مسكن، بعلة ان البناية لا يوجد بها ابواب عازلة ضد للحريق، وان على الأب Riffard ان يخلي المكان، شوارع المدينة وجوها البارد احفظ لصحة من ليس له منزل يؤويه، قرار يبعث على الضحك، وكما قال استاذي ريمي ليبشابير معلقا على هذا القرار الحريق خطر نادر، اما الخطر الدائم وكثير الوقوع هو خطر المبيت في الشوارع والأزقة، ومع اطفال، قرارات تعلل بطريقة او بأخرى اما العاقل فيعلم ان هناك امور اخرى هي التي تدعو لمثل هاته القرارات البلدية والقضائية، ويتم تعليلها بطريقة او بأخرى. مع القوة في عدم الاكتراث لذكاء الاذكياء، فلربما الذي تنطلي عليهم مثل هاته التبريرات كُثر وانا لا أدرى، ولكن مع الايام صرت أدرى ان هناك من يقبل ما لا يستطيع عقلك ان يستسيغه.
الآن معروض على محكمة النقض الفرنسية قضية مشابهة تتعلق بطلب أحد المالكين لهدم سكن لأحد الأشخاص المسنين، بناه على ارض المالك منذ 15 سنة، محكمة الاستئناف قضت بالأذن بهدم البناء الذي انشئ على ملك الغير، لكن محكمة النقض الفرنسية مرتابة بخصوص القرار الواجب اتخاذه في هاته القضية بالنظر الى مقتضيات اتفاقية حقوق الانسان، والخشية من إدانة فرنسا من قبل المحكمة الأوروبية، ومن المزمع انعقاد المحكمة بغرفها مجتمعة للنظر في هاته القضية، حسب رئيس الغرفة نفسه.
يتعلق الأمر بقرار محكمة النقض الفرنسية، الغرفة المدنية 3، الصادر بتاريخ 17 ماي 2018، عدد 16-15792،
ولقد انعقدت الغرفة المدنية الثالثة لمحكمة النقض الفرنسية فعليا للنظر في هاته القضية بتاريخ 17 ماي 2018، وأصدرت للأسف قرارا تحت رقم عدد 16-15792، ايدت فيه قرار محكمة الاستئناف، حيث أكدت أنه يحق للمالك صاحب الأرض التي بُني عليها منزل بدون موجب، أن يطالب بهدم البناء وإخراج ساكني المنزل حتى لو كانوا كبار السن وعاشوا واستوطنوا المكان لأكثر من عشرين عامًا.

محمد بلمعلم

_________

1- انظر: محمد بلمعلم، تقديم مصلحة الشواذ على نصوص الاتفاقية المتعلقة بالأحوال الشخصية وبالتعاون القضائي بين فرنسا والمغرب، تعليق على قرار محكمة النقض الفرنسية، الغرفة المدنية الأولى، بتاريخ 28 يناير 2015، عدد 13-50.059، مجلة قضاء محكمة النقض الفرنسية، تحت رقم 25.


[1] 
Cass. com. 8-11-2017 n°16-22.289 F-D, Cass. com. 8-11-2017 n° 16-15.296 F-D
Une partie peut rompre un contrat à durée déterminée en cas de faute grave de son cocontractant
Par deux arrêts rendus sur des fondements juridiques différents, la Cour de cassation refuse l’indemnisation du contractant dont la faute grave a justifié la rupture unilatérale et sans préavis du contrat par l'autre partie.
[2] 
GPA : confirmation du refus de transcription de la filiation maternelle d'intention
La conclusion d'une convention de gestation pour autrui (GPA) ne fait pas obstacle à la transcription d'un acte de naissance, dans la mesure où les faits relatés correspondent à la réalité, laquelle s'agissant de la mère est la réalité de l'accouchement.
Cass. 1e civ. 29-11-2017 n° 16-50061, PB
[3] 


Pour dire n'y avoir lieu à référé, une cour d'appel avait retenu qu'une mesure d'expulsion, qui aurait pour effet de placer M. et Mme X dans une plus grande précarité, s'agissant de ressortissants syriens ayant été contraints de quitter leur pays d'origine, caractériserait une atteinte plus importante au droit au respect du domicile de M. et Mme X que le refus de cette mesure au droit de propriété de Habitat Toulouse, et serait, à l'évidence, dans les circonstances de l'espèce, de nature à compromettre l'exercice par ceux-ci de leurs droits consacrés par l'article 8 de la Convention de sauvegarde des droits de l'homme et des libertés fondamentales, de sorte que le trouble allégué est dépourvu de toute illicéité manifeste.

En statuant ainsi, alors que l'occupation sans droit ni titre du bien d'autrui constitue un trouble manifestement illicite, la cour d'appel a violé l'article 849, alinéa 1er, du code de procédure civile.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كبور بناني سميرس والتطبيع، بقلم محمد بلمعلم

تابعت الأخبار الأخيرة، بخصوص "تنازل" المغرب عن قضية أراضيه الفلسطينية مقابل "ربح" قضية أراضيه الصحراوية، وكما صدمني موقف...